حكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة
Question
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، هذا سائل يقول: ورد في الحديث «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»، فهل يفهم من ذلك عدم جواز الاعتكاف في غيرها؟
Réponse
الاعتكاف في المساجد صحيح، وهو ما جاء في كتاب الله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وطائفة من أهل العلم تنقل الاتفاق على ذلك. ماذا يقولون؟ يقولون: الاعتكاف لا يصحّ إلا في المساجد، ومنهم الخطّابي رحمه الله في كتابه «معالم السنن»، وابن عبد البرّ، وابن قدامة، كل هؤلاء نقلوا الاتفاق وغيرهم من أهل العلم، استدلالًا بهذه الآية ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فخصّ المساجد في الاعتكاف. لماذا ذكر النهي عن المباشرة في المساجد؟ لأن الاعتكاف لا يصحّ إلا في المساجد، لو صحّ في غير المساجد لم يختصّ تحريم المباشرة فيها، المباشرة معروفة أنها محرّمة على المعتكف مطلقًا، إذا كنت معتكفًا لا يجوز لك المباشرة، لكن لماذا خصّ المساجد ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾؟ لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد. فالحديث الذي ورد «لا اعتكاف» المقصود به اعتكاف كامل، اعتكاف أفضل، وهذا الذي عليه الجماهير والأئمة، على أن أفضل اعتكاف يكون في المساجد الثلاثة، لماذا؟ للفضل الذي في هذه المساجد، كما أن الصلاة فيها فضل كذلك الاعتكاف فيه فضل، فالمسجد الحرام فيه مائة ألف صلاة، والمسجد النبوي ألف صلاة، وهكذا. فلما كان الأمر كذلك كان أفضل الاعتكاف في هذه المساجد، لأنك ستبقى معتكفًا تصلّي هذه الصلوات وتجد من الأجر والثواب. ولهذا الله قال في القرآن: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وقال أيضًا ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾، فالاعتكاف يكون في هذا البيت وفي المسجد النبوي وفي المسجد الأقصى. ولا شكّ أن نُقل عن طائفة أنهم كانوا يرون أنه لا يصحّ الاعتكاف إلا في هذه الثلاثة المساجد، وهذا اجتهاد منهم، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يرون الاعتكاف في المساجد كلها بل كانوا يعتكفون في المساجد رضي الله عنهم. وقد حصل نقاش بين ابن مسعود وبين حذيفة رضي الله عنهم جميعًا، وابن مسعود لم يسلّم لحذيفة في ذلك على خلاف في الحديث الذي ورد هل صحّ مرفوعًا أو صحّ موقوفًا. فعلى كل حال لا شكّ أن الاعتكاف في كل المساجد، والأفضل والأكمل هو الاعتكاف في الثلاثة. ونشير إلى مذهب الأحناف أنهم جوّزوا للمرأة أن تعتكف في بيتها، وهذا من مفردات مذهبهم وهو غير صحيح، إنما اجتهاد من الأحناف، وقد سبق هؤلاء أيضًا ابن لبابة من المالكية يرى أن الاعتكاف يجوز في كل مكان، وهذا غلط أيضًا، والصواب ما ذكرناه. وبهذا القدر نكتفي، وفّق الله الجميع لما يحبّه ويرضاه، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.